يوسف المرعشلي
1124
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
سافر المترجم مع الكوثري إلى القاهرة ، فأقام بها ، وأسّس فيها ( مكتبة ومطبعة القدسي ) قرب الأزهر بباب الخلق . وهناك بقيت علاقته بشيخه الكوثري متينة ، قائمة على المحبة ، وله منه إجازة . وقد حصل بينهما سوء تفاهم دام زمنا ، بسبب خلاف في رأي علمي ، ثم زال . تعرف القدسي في مصر على العلامة أحمد تيمور باشا ، فكان يزوره مرة كل أسبوع ، ويباحثه بأخبار الكتب ، واتصل بأحمد زكي باشا ، وهو الذي حبّب إليه البقاء في مصر ، وشجّعه على تأسيس المكتبة ودار النشر ، وحصلت بينه وبين زكي مجاهد صاحب « الأعلام الشرقية » ألفة شديدة ، وكان يسكن قريبا منه ، وتعرف بأحمد خيري . نشر كتبا كثيرة ومهمة ، غالبها في أصول العلوم وأمهات الكتب ، وساعد شيخ الأزهر عبد الحليم محمود في إصدار عدد من الكتب بالرأي والسعي ، وجلب له بعض النسخ التي يريدها ، وكانت له محبة خاصة في قلب شيخ الأزهر ، وسمح له بزيارته في أي وقت يريد ، وكتب له كلمة إهداء في فاتحة كتابه عن « بشر الحافي » ، فقال : « إلى من يقتدي ببشر في ورعه وتقواه ، إلى من قدّم لي أهم مرجع عن بشر ، إلى حسام الدين القدسي أهدي هذا المؤلف » . وكان هو يعظم شيخ الأزهر من طرفه ، ويدعوه برسائله : « مولانا الإمام الأكبر » . كتب القدسي مقالات شتى في مجلة الرسالة والثقافة موقعا باسمه وبأسماء شتى مستعارة كابن المقنع ، أو بتوقيع غريب هو : « محمد آل كاسر الخشبة » . وله شعر . سافر سنة 1364 لتأدية فريضة الحج وزيارة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم حجّ أكثر من مرة . عالم ورع زاهد قنوع مع قلة ذات يده . كانت داره بسيطة في حي شبرا ، ليس فيها سوى أريكة وطاولة كتب . قال عنه الدكتور حسن جاد : « الرجل العالم ، الباحث المدقق ، والشاعر الأديب ، المحقق الأستاذ حسام الدين القدسي » . وقال الشيخ بهجة البيطار يصفه وقد نشر كتاب « انتقاد المغني » : إن من يعرف الناشر الأديب يسرّ بما وفق إليه . . . وهو طالب في معهد الحقوق ، دؤوب على المطالعة ومراجعة الشيوخ ، ممتاز على كثير من أترابه بتربيته الإسلامية ، وجمعه بين العلوم الدينية والعصرية ، وعنايته بكتب السّنة الشريفة » . وقال الدكتور محمود الطناحي : « رجل من أصحاب الهمم العالية ، جاهد في نشر التراث جهاد الأبطال ، ومن دكان له صغير خرجت نفائس وروائع من التراث ، معظمها من الموسوعات » ، ثم قال : « ومن عجيب أمره أنه كان ينسخ الكتاب بقلمه ، ثم يجمع حروفه الطباعية بيده ، ويدفع به إلى المطبعة ، ويتولّى تصحيحه بنفسه » . وقال محمود محمد شاكر : « كان في الناس رجلا فاضلا ، نشأ صغيرا بأرض الشام وشدا من العلم ما شدا ، وكان مجتهدا صبورا ، ثم كتب اللّه له أن يشتغل بطلب الرزق ، فطلبه في تجارة الكتب ، فظل يطبع إلى آخر حياته كتبا لم تنشر من قبل ، وهي من ذخائر الكتب العربية . استفاد منها كل طالب علم في أرض اللسان العربي أو في غير أرضه ، وأسدى إلى كل عالم معروفا لا ينسى » . وقال زكي مجاهد : « صار بيننا مودة وصداقة ، واستفدت منه فوائد علمية وأدبية وتاريخية » . أصيب آخر عمره بعدة أمراض فصبر واحتسب ، ولم ينقطع عن العلم . توفي بالقاهرة 30 المحرم سنة 1400 ه ، ودفن فيها . محمد البيطار « * » ( 1231 - 1312 ه ) الفقيه الأصولي أمين الفتوى بدمشق الشيخ محمد بن حسن بن إبراهيم ، الشهير بالبيطار الدمشقي الشافعي ثم الحنفي ، أخو الشيخ عبد الرزاق البيطار . ولد في 15 ذي الحجة سنة 1231 ه ، ولما نشأ قرأ على والده ( ت 1272 ه ) وبه كان أكثر انتفاعه ، فحفظ عليه القرآن الكريم وجوّده ، وتفقّه عليه في الفقه
--> ( * ) « منتخبات التواريخ لدمشق » للحصني : 2 / 768 ، و « أعيان دمشق » للشطّي ص : 359 ، و « تعطير المشام » للقاسمي ( خ ) : 20 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 119 .